ابو القاسم عبد الكريم القشيري
469
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 82 ] وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( 82 ) الغفّار كثير المغفرة ؛ فمنك التوبة عن زلّة واحدة ومنه المغفرة لذنوب كثيرة ، ومنه السّرّية التي لا اطلاع لأحد غيره عليها وما للملائكة عليها اطلاع . وهو يغفر لمن عمل مثل عملك ، وهو يغفر لمن قلبك مريد له بالخير والنعمة ، وكما قالوا . إني - على جفواتها - فبربّها * وبكل متّصل بها متوسّل وأحبّها وأحبّ منزلها الذي * نزلت به وأحبّ أهل المنزل قوله « وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ » : فلا تصحّ التوبة إلا لمن يكون مؤمنا . وقوله هنا : « وَآمَنَ » : أي آمن في المآل كما هو مؤمن في الحال . ويقال آمن بأنه ليست نجاته بتوبته وبإيمانه وطاعته ، إنما نجاته برحمته . ويقال « وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ » : من الزّلّة « وَآمَنَ » : فلم ير أعماله من نفسه ، وآمن بأن جميع الحوادث من الحقّ - سبحانه - « وَعَمِلَ صالِحاً » : فلم يخلّ بالفرائض ثم اهتدى للسّنّة والجماعة « 1 » . ويقال « ثُمَّ » : للتراخى ؛ أي آمن في الحال « ثُمَّ » اهتدى في المآل . ويقال من سمع منه « وَإِنِّي » لا يقول بعد ذلك : « إِنِّي » « 2 » ويقال من شغله سماع قوله : « وَإِنِّي » استهلك في استيلاء ما غلب عليه من ضياء القربة ، فإذا جاءت « لَغَفَّارٌ » صار فيه بعين المحو ، ولم يتعلق بذنوب أصحابه وأقاربه وكل من يعتنى بشأنه . ويقال « إِنِّي لَغَفَّارٌ » كثير المغفرة لمن تاب مرة ؛ فيغفر له أنواعا من ذنوبه التي لم يتب منها سرّها وجهرها ، صغيرها وكبيرها ، وما يتذكر منها وما لا يتذكر . ولا ينبغي أن يقول :
--> ( 1 ) واضح حرص القشيري السنى على التمسك بسنيته - وهذا أصل ثابت في مذهبه سواء في علم الكلام أو في علم التصوف . ( 2 ) فالتوحيد الصادق إسقاط الياءات ونفى كل دعوى للنفس .